مؤتمر الإمام الخميني الدين و كرامة الإنسان
العلمية والعملية في موضوع
الدين وكرامة الانسان عند الامام(رض(
المرأة المسلمة نموذجاً
زيبا عبدالنبي خيامي
بسم الله الرحمن الرحيم
الإمام و الكرامة الإنسانية
يتجه الإنسان بفطرته إلى اكتساب الصفات الكمالية ومنها العزة و الكرامة. وفي هذا الطريق قد يخطأ البعض ليتصور أن العزة عند الطواغيت و المتجبرين ﴿و قالو بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون﴾.
أو قد يبتغيها عند أعداء الدين كما يفعل المنافقون ﴿بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنينأيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا﴾.
والهداية الإلهية تأتي لتأخذ بيد الإنسان إلى حيث نجاته و فلاحه فتحارب كل العوامل التي تعيق الإنسان من التحرك تجاه الكمال, ثم توجهه إلى المصدر الحقيقي للعزة:﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعا﴾﴿و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين و لكن المنافقين لا يعلمون﴾.
و يأتي التأكيد بأن هذه المسألة لا يمكن التفاوض بشأنها أو التنازل عنها فيقول الصادق (ع): « إن الله فوض إلى المؤمن أمره كله و لم يفوض إليه أن يكون ذليلا ». بل إن المحور الأساسي في جميع أبعاد التشريع الإسلامي الإقتصادية منها و السياسية و الإجتماعية تدور حول محور صيانة عزة الإنسان و أبعاده عن حالة الذل.
و هناك أدعياء للعزة و الكرامة و لكن فاقد الشيء لا يعطيه فكان عطاؤهم -إن وجد- أبترا في حين نرى أن عطاء السيد الإمام و حركته المباركة مستمرة:
﴿كشجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾
و ذلك عندما وجد السيد الإمام الخميني في إسلامه و عقيدته معينا لا ينضب من العزة و الكرامة . ففي الفكر الإسلامي يرتبط الإنسان كفرد و كجماعة برب العالمين و عندما يملأ هذا الإرتباط وجوده فإنه يبث فيه إحساسا بالعزة و الكرامة يجعله يشعر بأنه مرتبط ارتباطاً مباشراً بمن يملك مقادير أموره و أمور كل الناس.و يرتبط بتاريخ الأنبياء و الصالحين ليرى أن تحركه استمرارا لمسيرتهم المباركة الضاربة في أعماق التاريخ. و ليكون في هذه الحركة خليفة لله على أرضه و كل ما خلق في الكون ليس الاتمهيدا لمسيرته التكاملية... ولذلك يبتعد عن أي شعور بالضعف أمام هذا الكون الفسيح و يشعر بالكرامة أمام جميع المخلوقات و يجد نفسه مسؤولا عن هداية البشرية و تبديد ظلامها و إزالة العقبات في طريق كمالها فيصير في مكان القيادة و الريادة على ظهر الأرض .
وتأتي أحكام الإسلام لترسيخ هذه الكرامة في المجال السياسي فهو صاحب رأي معتنى به في قبول أورد الحاكم و من حقه أن لا يقبل بأي تجاوز وأن يعترض عليه,
وفي المجال الإجتماعي : حين يكون مقياس التمايز هو التقوى فلا تمييز ولا عنصرية ولا محسوبية.
و في المجال الإقتصادي : التوزيع العادل للثروة ... و مباديء كثيرة ... .
والإمام قبل أن يكون سياسياً كان عارفاً والعارف عندما يجد نفسه متنعما بخير ما فإنه يريد الخير لغيره, فكما يقول سماحته في كتابه آداب الصلاة:"إن السالك الذي يريد أن يجد الطريق إلى الحقيقة ينبغي له أن يدرك رحمات الحق بقلبه لتتحقق الرحمة الرحمانية والرحيمية, وأن تحققها في القلب هي أن ينظر العارف بعين العنابة واللطف إلى عباد الله و يرجو خير وصلاح المجتمع".
لذا سعى السيد الإمام ليستنقذ المجتمع من حالة الذل والمهانة وليهبه العزة والكرامة و ذلك عن طريق :
¯ خلق روح العزة في المجتمع: ( وذلك بالتقارن مع الأحداث)
1. بالتأكيد على قدرة الله و أن بيده كل شيء وأن كل انتصار فهو بفضله و منه.
2. التركيز على قدرة الإسلام في دحر الطواغيت و بناء الدولة العصرية و إنقاذ البشرية . وبالتالي تقوية روح الإعتزاز بالعقيدة و الشعور بالكرامة في ظل الدين القويم .
3. الحديث المستمر وبعقيدة صادقة عن قدرة الشعب في خلق المعجزات .
4. منحه الثقة التامة للشعب ليراه أوفى وأصدق من أصحاب الإمام علي (ع)و من ثم يتواضع أمام تضحياته و صموده.
5. التأكيد على الدور العالمي الذي يجب أن يقوم به الشعب في الهداية و الدفاع عن المستضعفين
6. بعث الحياة في العبادات الإسلامية (كالحج / صلاة الجمعة / المساجد لتكون كما كانت في عصر الرسالة الأول مبعث عز للمسلمين و مظهر قوة و صمود و تكاتف .
7. التركيز على دور المرأة في المجتمع و دورها في الثورة وعظمة المسؤوليات التي تنهض بها في البيت و المجتمع و ذلك لخلق روح العزة في نفس المرأة لتقوم بدورها بغرسها في نفوس أبنائها و أفراد أسرتها.
¯ اقتلاع روح الهزيمة و الذل من النفوس :
1. الإستهانة بالحضارة المادية المعاصرة و بيان زيفها و خوائها و الطريق المسدود الذي وصلت إليه و نصيحة المهزومين من المسلمين لفتح أعينهم على واقع الحضارة و عدم الإنبهار بظاهرها.
2. الإستخفاف بطواغيت الأرض و السخرية منهم و تهديدهم و تحديهم و التعامل معهم على أنهم نمور من ورق و أطفالا جامحين يستحقون النصح و التحذير و التأديب.
3. حث الشعوب على كسر حاجز الخوف.
4. التركيز على روح العزة في اللحظات العصبية التي تتزلزل فيها النفوس (الهزيمة العسكرية، الضغوط الإقتصادية ، اغتيال الشخصيات القيادية ) بل استثمار هذه الحوادث لرفع المعنويات و تصعيد روح المقاومة و الصمود.
¯ إعطاء القدوة من نفسه:
1. الإستقامة في المقاومة و الصمود دون أي تراجع عن المواقف المبدئية مما تسبب في تصعيد روح الثورة والمقاومة واقتلاع روح طلب العافية و الإسترخاء وما يتبعها من ذل النفوس.
2. تحمل السجن و التعذيب و الإرهاب.
3. تحمل المصائب الشخصية.
4. كما كان المثل الأعلى في الزهد و الترفع و سمو النفس عن المظاهر المادية.
وقد تجلت عطاءات الكرامة في مصاديق متعددة قد تكون أبرزها:
Ñ النظام السياسي البديل لكل الاطروحات السابقة وأطروحة ولاية الفقية
Ñ الدور الحضاري والمميز للمرأة المسلمة و مكانتها
Ñ إحياء القضية الفلسطينية والتعريف بثقافة المقاومة
حيث ستتم الإشارة إلى دور المرأة المسلمة في ختام الورقة.
الإمام و الحوزات العلمية
وقبل البدء لابد من التنويه بأن السيد الإمام كان ابناً باراً للحوزات العلمية و ربيبها, فقد كان يرى أن حفظ الاسلام منوط بالجهود الجبارة والمخلصة لهذه الحوزات.
"إن الحوزات العلمية هي التي حفظت الإسلام حتى الآن، ولولا وجود العلماء لما بقي للإسلام ذكر، فإن الذي أحيى الإسلام في الظروف السوداء والأزمنة المظلمة هم العلماء..."
في الوقت الذي أكد فيه الإمام الخميني (قدس سره) على الاستفادة من العلوم الجديدة، وشجّع على أتباع الأساليب الحديثة، ولكنه في نفس الوقت رفض بشكل قاطع تغيير طرق التفكير ومناهج الاستدلال، وأكد أن أسلوب علماء السلف هو الأسلوب الصحيح، ولا بديل عنه، وأن طريقة التفكير الجواهرية هي الطريقة المفيدة، بل إنه اعتبر أن تضييع هذه الطريقة هو في الحقيقة تضييع للفقه كله وتضحية بهذه العلوم الإلهية التي أفنى علماؤنا الأبرار أعمارهم لأجل إيصالها إلينا بهذا الشكل الواضح والبيان القوي والمنهج المتين.
فلنتأمل في كلمات الإمام الخميني (قدس سره) حول هذا الموضوع:
"لا أتصور وجود طريقة لدراسة جميع جوانب العلوم الإسلامية دراسة معمقة أنسب من طريقة علماء السلف. فالتاريخ الذي تجاوز الألف عام من التحقيق والتتبع لعلماء الإسلام العظماء شاهد على ادعائنا حول رعاية نبتة الإسلام المقدسة.
و يقول أيضاً.
لقد كررت تأكيدي للجميع أن دروس الحوزات يجب أن تحفظ بنفس شكلها التقليدي، ويجب أن يكون الفقه نفس الفقه الموجود بين أيدينا، فإذا انحرفنا عن الفقه التقليدي سيختفي الفقه، احفظوا الفقه بنفس الشكل وبنفس القوة التي حفظ بها مشايخنا الفقه منذ البداية وإلى الآن."
و يقول أيضاً.
"أما بالنسبة لأسلوب الدراسة والبحث في الحوزات، فإني اعتقد بالفقه التقليدي، واجتهاد الجواهري، وأرى التخلف عنه غير جائز. فالاجتهاد بذلك الأسلوب صحيح، ولكن هذا لا يعني أن الفقه الإسلامي غير متجدد."
ويشير الإمام الخميني (قدس سره) إلى عدم التنافي بين الاستفادة من الأساليب الحديثة والبقاء على نفس المتانة والمنهجية، حيث يقول:
"يجب أن لا ننسى هذه المسألة وهي أنه يجب عدم تخطي الأركان المحكمة للفقه والأصول المتعارفة في الحوزات مطلقاً. طبعاً مع ترويج الاجتهاد الجواهري بشكله المحكم والثابت، يمكن الاستفادة من محاسن الأساليب الجديدة والعلوم التي تحتاجها الحوزات الإسلامية".
"كل من يرى كتاب جواهر الكلام يدرك مدى جهود المجتهدين...".
بل و يرى السيد الإمام الخميني أن سر بقاء وعظمة الإسلام والحوزات العلمية يكمن في هذه الطريقة التقليدية فيقول (قدس سره):
"إذا خسر الإسلام كل شيء ـ لا سمح الله ـ وبقي فقهه بالطريقة الموروثة عن الفقهاء العظام، فسيستمر في طريقه. أما إذا ما حصل الإسلام على كل شيء وخسر ـ لا سمح الله ـ فقهه على طريقة السلف الصالح، فلن يمكن الاستمرار في الطريق الصحيح، وسينتهي الأمر إلى الضياع."
ولكنه مع ذلك لا ينفي وجود الإختلافات في وجهات النظر والتي هي نتيجة طبيعية للبحث العلمي و للطريقة الجواهرية في البحث والتحقيق.
"إن كتب فقهاء الإسلام العظام مليئة باختلاف الآراء والأساليب والأذواق والاستنباطات في شتى المجالات العسكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية والعبادية، حتى في المسائل التي يدعى الاجماع حولها نجد قولاً أو أقوالاً مخالفة لها، وحتى في المسائل المجمع حولها قد يوجد قول يخالفها، عدا عن اختلافات الأصوليين والإخباريين...".
بل ينظر السيد الإمام الى كون هذه المسألة حالة لابد منها إذا أردنا لباب الإجتهاد أن يبقى مفتوحا لذا يقول في كلام آخر:
"قد تكون استنباطات البعض مختلفة معنا، فلا يمكننا أن نغلق باب الاجتهاد، فالاجتهاد كان موجوداً دائماً، إنه موجود وسيبقى، كما أن المسائل التي تطرأ اليوم تختلف عن المسائل السابقة كثيراً، والاستنباط من أحكام الإسلام مختلف أيضاً. لذا علينا أن لا نتقاتل بسبب الاستنتاجات والاستنباطات...".
فالإختلافات في وجهات النظر إن وجدت فهي علمية وتهدف إلى إضفاء الغنى و الإكتمال الأكثر على المسائل الفقهية.كما أنها باب للتطور ولتبلور الآراء و الذي يشكل طريقاً للخير و ملاذاً للتوسعة على المكلفين.
الإمام و الأصول و المباني المشتركة
نعم لقد كان انتصار الثورة الاسلامية في ايران و طرد الشاه و تحقيق الحرية انجازا عظيما للشعب الايراني بصورة عامة و للإمام الخميني على وجه الخصوص . و لكن الأمر لم يقتصر على تغيير الوجوه الحاكمة - إن صح التعبير – بل تعدى ذلك إلى بناء نظام متكامل مبني على تراث فقهي أصيل فكان ما قدمته هذه المدرسة الفقهية العظيمة إعجاز آخر و آية أخرى بل الآية الكبرى للدلالة على غنى الأحكام الإلهية في مقابل القوانين الوضعية القاصرة.
وفي هذا المجاال كان السيد الإمام وفياً للمباني الفقهية التي ينتمي إليها و من جانب آخر كان مهتماً بالتطوير و التقدم الذي تحتاجه و تسعى إليه هذه الدولة الفتية .
السيد الإمام كان يرى بأن الرجوع إلى الإسلام الأصيل هو الطريق الوحيد و الأمثل للوصول إلى الرقي و التقدم . و ذلك لأن الإسلام قادر على حل مشكلات المجتمع و لعدم وجود التعارض بين العلم و الدين , الدنيا و الآخرة , و العقل و الوحي , وأن القوانين الإسلامية قادرة على تقديم النموذج الأنسب لإدارة المجتمعات المختلفة , فهناك رابطة جيدة بين الدين و الحداثة. فيكون المجتمع الإسلامي بذلك جامعاً بين الأمور المعنوية و الالتزام الديني و التقدم و التطور .
و قد عمل (قدس سره) في كل ذلك بالاستناد إلى الفقه الأصيل والطريقة الجواهرية في البحث و الاستنباط.
فإن وجد هناك إختلاف في النتائج فما كان ذلك الا لتعدد القراءات العلمية للفقهاء .هذا في الوقت الذي كانت فيه كل القراءات مستقاة من جذور واحدة و ترجع إلى أصول ثابته توافق عليها أتباع المنهج الأصولي وإن إختلفوا في بعض الجزئيات المرتبطة بحدود العمل بهذه الأصول.
وفيما يلي نتناول بعض الخصوصيات البارزة للمدرسة العلمية الاصولية التي أحياها السيد الإمام في الممارسة العملية والتطبيق العملي لهذه الأصول؛ وخصوصا عندما وجدت الاذان الصاغية والقبول و بالتالي تم تنفيذها من قبل المجتهد المبسوط اليد.
الأسس الفقهية والأصولية لدى الإمام الخميني:
وفي هذا الصدد يمكن تلخيص أبرز السمات الفكرية للفقهاء الأصوليين الشيعة بمن فيهم الإمام الخميني، على النحو الآتي:
1. الإيمان بحجية العقل وتقوية القراءات العقلية للاحكام الشرعية:
يعتبر الأصوليون الشيعة العقل أحد المصادر الأربعة لإستنباط الحكم الشرعي جنباً إلى جنب الكتاب والسنّة والاجماع. ويرى هؤلاء الفقهاء بأن ثمة علاقة وثيقة بين العقل والشرع يصطلح عليها بقاعدة الملازمة. وعلى هذا الأساس، فان كل ما حكم به الشرع وافق العقل، وكل ما أيده العقل وافق الشرع.
وفضلاً عن أن بوسع العقل في الفقه الإسلامي أن يشكل حكماً قاطعاً، فان باستطاعته أن يكون كاشفاً للقانون الشرعي ويستطيع أن يقيد الأحكام أو يحدها، أو أن يقوم بتخصيصها أوتعميمها.
وعلى الرغم من قبول حجية العقل عموماً لدى الأصوليين، إلا أنه ثمة اختلاف يمكن مشاهدته في وجهات النظر و في التفاصيل |